بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
يذكر بعض الناس أن حرب الكرماني رحمه الله من المكفرين للقائلين بفناء النار! ويتغافلون عن كلامه المفصل في المسألة
قال حرب الكرماني في مسائله: باب: في قول الله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} [هود: 107]
سألتُ إسحاق قلت: قول الله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إلا مَا شَاء رَبُّكَ} قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن
[قلت: وهذا يوحي بالقول بالفناء كما لا يخفى]
حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي: ثنا أبو نضرة، عن جابر زو أبي سعيد زو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية على القرآن كله {إلا مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107]
قال المعتمر: قال أبي: كل وعيد في القرآن.
قال أبو محمد: ومعناه عندي إن شاء الله أعلم أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لا هل التوحيد،
وكذلك قوله: {إلا مَا شَاء رَبُّكَ} إلا من استثنى من أهل القبلة الذي يخرجون من النار، والله أعلم باستثنائه.
[قلت: قوله عندي وقوله إن شاء الله والله أعلم صريح في أن المسألة اجتهادية وصعبة عنده وهذه المسائل لا يكفر فيها المخالف ولا يطعن فيه وإن كان يغلط]
حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن أبي بلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمر وقال: ليأتين على جهنم يوم يصطفق فيه أبو ابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا.
حدثنا عبيد الله، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب، عن زرعة، عن أبي هريرة قال: ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: {فأما الذين فسقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} الآية.
[ قلت من هنا يبدأ في الاحتجاج على قوله وتأويله]
قال عبيد الله: كان أصحابنا يقولون: يعني به: الموحدين.
وسمعت أبا عبيد الله محمد بن نصر الفراء، قال: نازلت سليمان بن حرب وعبيد الله بن محمد التيمي، وأبا عبيد دخل كلام بعضهم في بعض واحد قالوا: إن للنار جواتي وبراني فلا يدخل أهل التوحيد مدخل أهل الكفر والنفاق، لأن من أدخل مدخل أهل الكفر والنفاق لا يخرج منه أبدًا، أما تسمع إلى قوله: {لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 16] والعرب لا تسمى الشاة المصلية إلا ما شوى في وسط الجمر يحفرون في الأرض حفيرة فيجمعون فيها جمرًا كثيرًا، ثم يعمدون إلى المسلوخة، فيدخلونها وسط ذلك الجمر حتى تغيب فيها فتشتوى فيها، فذاك المصلى عندهم، فأما الذي يشوى على ظهر الجمر أو على المقلى، أو في التنور فلا يسمونها مصليا، قالوا: فمعنى الحديث أنه لا يدخل أهل التوحيد مدخل أهل الكفر والنفاق وهو جوف النار وأسفله، يقول الله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، وتلك النار أعدت للكافرين. وأما معنى حديث الشفاعة أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إنما معناه أن يخرج من برانى النار.
قال أبو عبد الله: فنرى أن حديث عبد الله بن عمرو إن كان له أصل أنه يأتي على جهنم أحايين ليس فيها أحد، إنما هو موضع أهل التوحيد.
وقال الله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} فإنما يقع الاستثناء عندنا على أهل التوحيد في الآيتين جميعًا، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن له شفاعة لا هل الذنوب، فهذا ما أولنا والله أعلم.
[قلت: كلامه "نرى" "ما أولنا به" أيضا صريح في أن المسالة رأي لا قصة التكفير والتبديع.. ولا شك أنهم سوف يقولون إن رأى يأتي بمعنى اعتقد لكن المنصف يفهم كيفية البحث عند حرب وشيوخه هل هو بحث لمسألة فيها تكفير المخالف أم بحث لمسألة اجتهادية فيها صحيح وخطأ]
حدثنا أبو معن، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} قال: هذه الآية على القرآن كله.
حدثنا أبو معن، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن الضحاك في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ}، قال: إلا من استثنى من أهل القبلة الذين خرجوا من النار، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} إلا من استثنى من أهل القبلة الذين أخرجوا من النار"
انتهى كلامه
قلت: وهذا خير مثال في التفريق بين المقامين: مقام الرد على الجهمية القائلين بفناء الجنة والنار وتكفيرهم وتقبيح قولهم وبين مقام تحليل الخلاف الحاصل بين السلف وأهل السنة في هذه المسألة وقس عليه كثير مما يستندون إليه في ادعائهم الإجماع
ما يحتجون به يمكن أن يقسم عدة أقسام
القسم الأول: ما لا يثبت أصلا ككثير مما ينقلونه من غير سند ولا عزو لكتاب معروف لدى الناس مثل بعض النقولات من كتاب ابن المحب الصامت
مع أن ابن المحب تلميذ لابن تيمية المرتد عندكم معظم له فكيف تستندون عليه!
القسم الثاني: ما هو صريح في أنه رد على الجهمية في قولهم بفناء الجنة والنار
القسم الثالث: ما يحتمل ذلك
القسم الرابع: ما ظاهره يوافق ما يقولون ويمكن أن يقال إن القائل لم يدقق في العبارة وهو بشر وهو عالم وهو أبعد من أن يظن به أنه يكفر في المسالة المنقولة الاختلاف فيها في مصادر الناس الأصلية مثل تفسير الطبري وتفسير عبد بن حميد وأمثال ذلك
القسم الخامس: ما يقال: غلط الناقل والقائل ولم يعلم بالاختلاف لقلة اطلاعه ومن علم حجة على من لم يعلم والمثبت حجة على النافي
ومثل هذه المسائل ترد فهناك بعض خيرة العلماء نقل الاتفاق على أن النبي رأى ربه بعين رأسه وطعن فيمن خالف ذلك شديد الطعن فهل قوله يقبل؟ ونظائر ذلك موجودة فهناك من ينقل الاتفاق على تكفير تارك الصلاة والاختلاف في المسألة معروف مشهور إلخ هذه الأمثلة
وينبغي أيضا فهم طبيعة كثير من الغلاة المكفرين فالحاصل أن هناك شوي دواعش أو حازميين سابقين عندهم بغض لشيخ الإسلام لكثرة ما احتج به عليهم السرورية وعندهم بغض على المجتمع والشيوخ الذين رفضوا جماعاتهم هذه لذا يبحثون عن الانتقام في مثل هذه المسائل والإظهار أنهم غرباء والتعالي على الناس
وإلا فالعاقل يعلم أن كل ما تنطعوا به في الباب لا صلة له بالبحث العلمي بل كله تكلف وسماجة ووضع العربة أمام الحصان
وهذه المسألة تعاملهم معها يستلزم تكفير خيرة أهل العلم من أهل السنة في الأزمنة المتأخرة وتكذيب الأحاديث المتواترة في وجود الطائفة المنصورة فإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم مرتدين فمن هو على الحق في هذه الأعصار ومن يمثل هذه الطائفة المنصورة في هذه القرون؟
وهذه المسألة لو لم يكن هناك هذه الطائفة الخبيثة التي تشتغل على الناس في الخفاء لما تكلمت بها لكن البيان واجب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق