الرد على مركز السلف وعلاء إسماعيل في مسألة أبي حنيفة

 

  بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:


رأيت مقالا  على موقع مركز السلف اسمه:  "قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة"

ولاحظت في هذا المقال تجاوزات ومجازفات علمية بينة لا تليق بأي باحث فقررت أن أعقب  علىى صاحب المقال فيها

قال  صاحب المقال: "ومن القرائن التي تدل على أن ذم أهل الحديث يراد به  أحيانا الزجر والشدة لا التجريح الكامل، ما يلي:  أولا: أقوال بعض  النقاد "

ثم سرد بعض الآثار في تأييد قوله الباطل هذا قال: "وقال ابن عبد البر: قال عبد الله بن أحمد الدورقي: سئل يحيى بن معين -وأنا أسمع- عن أبي حنيفة، فقال ابن معين: “هو ثقة، ما سمعت أحدا ضعفه. هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث، ويأمره. وشعبة شعبة”

قلت: هذا الأثر في سنده الصيدلاني وهو مجهول وابن عبد البر لم يسمع عنه إنما يروي عن طريق حكم بن منذر بن سعيد وهو معتزلي قال عنه ابن حزم: "هو رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم"

ثم قال: "وقال محمد بن سعد العوفي سمعت ابن معين يقول “كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ"

قلت: وهذا ضعيف ففي سنده محمد بن عاصم وهو ضعيف 
والعوفي نفسه فيه لين 

قال العلامة المعلمي بعد نقله هذه الرواية: "فجعل الأستاذ هذه الرواية مع أنها من طريق محمد بن سعد العوفي  وقد انفرد بها هذا الإسناد  قاضية على إجماع الأئمة ومعهم ابن معين من عدة أوجه عنه"

ويحيي بن معين كان يدافع عن أبي حنيفة من غير إساءة إلى جمهور أهل الحديث ومع ذلك فهو مقر بضعفه في الحديث مثل غيره من الأئمة

قال عبد الله بن أحمد في «السنة»: حدثني أبو الفضل حدثني يحيى بن معين قال: كان أبو حنيفة مرجئا، وكان من الدعاة ولم يكن في الحديث بشيء وصاحبه أبو يوسف ليس به بأس.

قال العقيلي: حدثنا محمد بن عثمان قال سمعت يحيى بن معين وسئل عن أبي حنيفة فقال: كان يضعف في الحديث

قال ابن عدي في الكامل (236/8): حدثنا علان، حدثنا ابن أبي مريم سألت يحيى بن معين، عن أبي يوسف؟ فقال: لا يكتب حديثه

وهذا الآثار كلها بسند صحيح وهناك غيرها تركتها خشية الإطالة

فلذلك قال المعلمي أن يحيي بن معين موقفه في تضعيف أبي حنيفة في الحديث لا يختلف عن موقف باقي الأئمة

ثم قال: "وقال صالح بن محمد الأسدي عن ابن معين: “كان أبو حنيفة ثقة في الحديث"

قلت: هذا الأثر ليس له سند! 

ثم قال: "وقال الإمام علي ابن المديني: “أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك، وهو ثقة لا بأس به”  وابن المديني معروف عنه أنه لا يحابي أحدا. كيف وهو الذي قال عن أبيه: ضعيف؟!"

قلت: هذا الأثر ليس له سند! 

وقد قال علي بن المديني في متنه الاعتقادي: "وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه  والنظر فيه فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب  مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إماما"

ثم قال: "قال يحيى بن سعيد القطان: “لا نكذب الله، ربما رأينا الشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسناه فقلنا به"

قلت: الحق يؤخذ عن كل أحد وكلامه حق فقد يكون عند الأحناف بعض الفوائد والفروع الحسنة كما أن عند المتكلمين فوائد وأمورا حسنة في درء كيد أعداء الدين وهذا لا يجعل أصل نهج المتكلمين صحيحا مقبولا والأحناف كذلك 

قال: "وبعيد جدا أن تقال هذه الكلمة فيمن هو مثل بشر المريسي وابن الثلجي وأضرابهما"

قلت: لا ندعي أن أبا حنيفة كافر زنديق مثل الثلجي وبشر المريسي حتى تذكرهما فمحل أبي حنيفة في مسلمي أهل البدع  لا في الزنادقة والمنافقين 

ثم قال صاحب المقال: ثانيا: طريقة الدارمي فيما ينقله المعارض عن أبي حنيفة" فاحتج بقول الدارمي: "فشتان ما بينكم وبين أبي حنيفة فيما أفتى؛ لأنه ليس من كفر كمن أخطأ، ولا هما في الإثم والعار سواء"

قلت: أولا هل توافقون الدارمي على القول بتكفير من أول الصفات أم راح تكتبون مقالا آخر تصفون من يفعل ذلك بأقبح الألفاظ؟ 

ثانيا: لم نقل أن أبا حنيفة من أهل البدع الكفرية الجلية إنما هو من فسقة ومبتدعة المسلمين ورأس في الشر والضلال إلا أنه لا يبلغ ضلاله ضلال الجهمية المعطلين وإن كان هو قد فتح بابا لأمثالهم كما نبه على ذلك المعلمي وغيره

فكلام الدارمي حق نوافقه وأنت الذي تخالفه إذ أقر الدارمي في أوله أن الناس (أي أهل العلم فالعامة لا اعتبار برضاهم وعدم رضاهم) لم يرضوا مسلكه! إذ قال: "إن الناس لم يرضوا من أبي حنيفة إذ أفتى بخلاف روايات رويت عن النبي.. (فذكر الأحاديث فقال):  حتى نسبوا أبا حنيفة فيها إلى رد حديث رسول الله  وناقضوه فيها، ووضعوا عليه فيها الكتب»

وقال وهو يخاطب المعارض: "قلدتم دينكم أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن  الحسن في أكثر ما تفتون مما لا تقعون من  أكثره على كتاب ولا سنة."

فمن الأولى بموقف الدارمي نحن أم أنتم؟

ثم قال صاحب المقال: "كان أهل الحديث يحكمون بالأثر، ومعلوم أن الحديث والأثر وحده لا يفي بمسائل  الفقه، فكانت قضايا الفقه العالي والأقضية التي تتطلب القياس وإعمال قواعد  أصول الفقه في أيدي أبي حنيفة وأصحابه، ويرجع إليها في قضاء الدولة"

قلت: وهذا رد صريح على شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتمسح به هؤلاء دائما فالشيخ قد عقدا فصلا في السنة والبدع وذكر أبا حنيفة ورأيه في بدع الفروع وقال: «وكذلك الأمور العملية التي يتكلم فيها الفقهاء فإن من الناس من يقول إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية كما يقول ذلك أبو المعالى وأمثاله من الفقهاء مع أنتسابهم إلى مذهب الشافعي ونحوه من فقهاء الحديث فكيف بمن كان من أهل رأى الكوفة ونحوهم فإنه عندهم لا يثبت من الفقه بالنصوص إلا أقل من ذلك وإنما العمدة على الرأى والقياس حتى أن الخراسانيين من أصحاب الشافعى بسبب مخالطتهم لهم غلب عليهم استعمال الرأى وقلة المعرفة بالنصوص وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كأبن حزم ونحوه والتوسط في ذلك طريقة فقهاء الحديث وهى إثبات النصوص والآثار الصحابية على جمهور الحوادث وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل فيستعملون قياس

إلى أن قال: وإنما ظن كثير من الناس الحاجة إلى الرأى المحدث لأنهم يجدون مسائل كثيرة  وفروعا عظيمة لا يمكنهم إدخالها تحت النصوص كما يوجد في فروع من ولد  الفروع من فقهاء الكوفة ومن أخذ عنهم

وجواب هذا من وجوه

 أحدها ان كثيرا من تلك الفروع المولد  المقدرة لا يقع أصلا وما كان كذلك لم يجب أن تدل عليه النصوص ومن تدبر ما  فرعه المولدون من الفروع في باب الوصايا والطلاق والأيمان وغير ذلك علم صحة  هذا

 الوجه الثاني أن تكون تلك الفروع والمسائل مبنية على أصول فاسدة فمن  عرف السنة بين حكم ذلك الأصل فسقطت تلك الفروع المولدة كلها وهذا كما فرعه  صاحب الجامع الكبير (أي الشيباني) فإن غالب فروعه كما بلغنا عن الإمام أبي محمد المقدسي  أنه كان يقول مثله مثل من بنى دارا حسنة على أساس مغصوب فلما جاء صاحب  الأساس ونازعه في الاساس وقلعه انهدمت تلك الدار.. 

وكذلك ما فرعوه في باب  الحكم والسياسة وغيرها عامة ذلك مبنى على أصول فاسدة مخالفة للشريعة

 وهذا  والله أعلم من معنى قول ابن مسعود إنكم ستحدثون ويحدث لكم 

ولهذا تكثر هذه  الفروع وتنتشر حتى لا تضبطها قاعدة لأنها ليست موافقة للشريعة  

الوجه  الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما يعرفه من يتحرى ذلك  ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها وهذا يعرفه من يتأمل كمن يفتى  في اليوم بمائة فتيا أو مائتين أو ثلاثمائة وأكثر أو أقل وأنا قد جربت ذلك

ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائما أقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ذلك  من أهل الرأى المحدث فإن الذى رأيناه دائما أن أهل رأى الكوفة من أقل  الناس علما بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم وما لهم من سلطان  وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك 

ثم إنهم في  الفتوى من أقل الناس منفعة قل أن يجيبوا فيها وإن أجابوا فقل أن يجيبوا  بجواب شاف وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك وسبب هذا ان  الأعمال الواقعة يحتاج المسلمون فيها إلى معرفة بالنصوص ثم إن لهم أصولا  كثيرة تخالف النصوص والذي عندهم من الفروع التي لا توجد عند غيرهم فهي مع  ما فيها من المخالفة للنصوص التي لم يخالفها أحد من الفقهاء أكثر منهم  عامتها إما فروع مقدرة غير واقعة وإما فروع متقررة على أصول فاسدة فإذا  أرادوا أن يجيبوا بمقتضاها رأوا ما في ذلك من الفساد وإنكار قلوب  المؤمنين علهيم فأمسكوا»

انتهى من كتاب الاستقامة 

فبهذا يتبين أن أهل الرأي أقل الناس منفعة للمسلمين في الفتيا وتفريع الفروع وأجهلهم بالنصوص وأنهم هم الذين أفسدوا للمسلمين الحكم بما أنزل الله كما بين ذلك شيخ الإسلام في مواضيع كثيرة فها هنا صاحب المقال ينقض ما قرره الشيخ بكلام باطل لا أصل له

ثم قال صاحب المقال: "إن استحضار طبيعة الخلاف القائم بين أهل الرأي وأهل الحديث من العوامل  الرئيسة التي توفر لطالب العلم كثيرا في فهم المسألة وتخطيها بشكل مرض،  وقد كان هناك خلاف بين مدارس أهل الحديث في تلك الأعصار كما بين مدرسة أهل  الشام ومدرسة مكة، وكان بينهم كلام شديد مثل قول ابن شهاب الزهري: “ما رأيت قوما أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة”(وقال حماد: “لقيت عطاء وطاوسا ومجاهدا فصبيانكم أعلم منهم، لا بل صبيان صبيانكم"

قلت: وهذا شبيه بما يفعله العلمانيون حين يأتون إلى المسلمين ويقولون لهم: بأي شريعة تريدون أن تحكموا؟ بالشريعة السنية أم الشيعية؟ وإذا كانت السنية، فبأي مذهب من المذاهب الأربعة؟ وهكذا.

مع أن جميع هذه المدارس مجمعة على أصول وأحكام تناقض العلمانية من أساسها

وهكذا الأمر هنا أيضا: إنها محاولة لانتزاع بعض الوقائع من سياق الخلافات اليسيرة والغضب الذي وقع بين بعض العلماء، مع نسيان أن هؤلاء العلماء، مع وجود تلك الخلافات اليسيرة بينهم، كانوا متفقين أو شبه متفقين على ذم أبي حنيفة وأصوله في رد الأحاديث والحيل!

قال أبو بكر بن أبي داود: "«الوقيعة في أبي حنيفة جماعة من العلماء لأن:
 إمام البصرة أيوب السختياني وقد تكلم فيه 
وإمام الكوفة الثوري وقد تكلم فيه 
وإمام الحجاز مالك وقد تكلم فيه 
وإمام مصر الليث بن سعد وقد تكلم فيه
 وإمام الشام الأوزاعي وقد تكلم فيه
 وإمام خراسان عبد الله بن المبارك وقد تكلم فيه 
فالوقيعة فيه إجماع من العلماء في جميع الأفاق»

وما تكلم به بعض علماء السنة في بعض لغضب أو فتنة أو عاطفة أو تشديد في الحق ولم يؤخذ هذا الكلام لا يقارن بجرح  مفسر عليه أسباب بينة جلية أخذ به مئات كبار أهل العلم جيلا بعد جيل!

ثم زعم صاحب المقال أن طبيعة الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث كان في أن أهل الرأي يبحثون عن علل النصوص فيقيسون ويفرعون وأن أهل الحديث لا يفعلون ذلك وهذا جهل بأهل الرأي وبأهل الحديث معا 

وأقول صراحة: تعبنا من السعوديين ومشايخهم الجهلة بأهل الرأي الذين لم يروا حنفيا بحياتهم ولم يروا كتبهم في العلوم والأصول والدعوة إلى طريقتهم ثم يتفذلكون بجهل عن أبي حنيفة المتخيل في واقعهم الموازي اللي يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي 

أقول: هؤلاء المشايخ لابد من إرسالهم إلى أحبابهم الأحناف لبضع أشهر ثم إنقاذهم مرة أخرى حتى يفهموا عمن يتكلمون

ومن أراد معرفة ما يستبطنه أصول أهل الرأي من إبطال السنة ومخالفتها فعليه بكتاب "ثواقب الأنظار" لثناء الله الزاهدي فإنه شرح عمق باطلهم جزاه الله خيرا 

أما قوله: "فهو يفرع على المسألة ويجمع بين الأدلة كشأن كتب الفقه المعاصرة، وهو ما لم يكن يقبله أهل الحديث الأوائل الذين يذمون التفريع على المسائل وذكر القيودات والتحرزات، ولا يستخدمون “أصول الفقه” كعلم مستقل، وهم معذورون في ذلك، بل ممدوحون لحرصهم على الحديث أيضا، رحم الله الجميع."

فهنا يفضل أهل الرأي على أهل الحديث ويصور أهل الحديث مثل الدراويش الذين لم يكن لهم إلا صلاح وزهد وحرص 

ومعروف أن هذا الطعن لا يصدر إلا عن قليل الدين والحياء فإن "  أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم،

 فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك.

وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها؛ فهم أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما، وأصحهم نظرا، وأهداهم استدلالا، وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا.
وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل» (الانتصار لأهل الأثر لابن تيمية ص. 13-14)

وقد احتج هذا الشخص بقول منسوب إلى الربيع بن سليمان: "إن أصحاب الرأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام الحجة عليهم"

وهو لا يصح سندا  ففي سنده رجل مجهول 

نعم كان الشافعي فعلا قد أبدع في الرد على أهل الرأي وقمعهم فليس معناه أن أهل الحديث قبله كانوا جهلة لا يعرفون شيئا فهذا لا يقول من له معرفة بأحوالهم

ثم ضرب صاحب المقال أمثلة على النقد الخاطئ من قبل أهل الحديث لأبي حنيفة فقال: "ففي هذا الأثر أن سفيان فهم أبا حنيفة خطأ، فليس مراد أبي حنيفة رد الحديث بعقله، وإنما اختار أن التفرق المقصود في الحديث هو تفرق كلمة لا تفرق أبدان، وهو قول إبراهيم النخعي أيضا، ولذلك قال له: (أرأيتم إن كانا في سفينة فكيف يتفرقا؟!). يريد من ذلك أن الصفقة تنتهي بمجرد انتهائها بالكلمة لا مغادرة الطرفين بالضرورة"

قلت: بل الخاطئ هو أنت! فإن سفيان لم يتكلم عن حديث واحد فحسب بل نقل منهجية الرجل إذ قال: "كان أبو حنيفة يضرب بحديث رسول الله الأمثال فيردها" وهذا يدل على استمرارية كما هو معروف في اللغة فهذه الفذلكة منك هي الخطأ!

وما زعمته من "التفرق بالكلام" تبطله روايات الحديث نفسها فعند البخاري ومسلم: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع"

وقد روى البخاري ما يؤيد التفرق البدني من فعل ابن عمر "وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه" وروي هذا عن غيره من أصحاب النبي 

والرواية عن محمد الشيباني في التأويل الحنفي المنقول عن إبراهيم النخعي لا تثبت إلا أن الحنفية صاغوا موقفهم فيما بعد في قالب التأويل وإلا فأبو حنيفة لم يتكلم عن التفرق القولي إنما ضرب على الحديث المثل ردا عليه!

ثم قال صاحب المقال: "ومن الجدير بالذكر أن موقف أبي حنيفة أفضل من موقف الإمام مالك في هذه المسألة؛ لأن مالكا رد حديث «البيعان بالخيار»، على العكس من أبي حنيفة فإنه يقبل هذا الحديث. قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث «البيعان بالخيار» فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك"

قلت: الغريب أن المخالف حذف ما قاله الإمام أحمد مباشرة بعد هذا إذ قال: "«ومالك لم يرد الحديث، ولكن تأوله على غير ذلك»

فجعل المعترض مالكا الذي تأول رادا وأبا حنيفة الذي رد متأولا وكله نصرة لباطل أهل الرأي والله حسيبه!

ثم قياس مالك على أبي حنيفة لا يصح لأن مالكا تبع الأثر وأخطاؤه غير أخطاء أبي حنيفة كما وقدرا 

قال أبو عبد الله بن حامد: "قال الخلال على المذهب انه لا يرى الرد على أهل المدينة قال ابن حامد وانما ذلك على أصل امامنا فى تخطئة أهل الاجتهاد وهل يسوغ لنا القطع بالخطأ أم لا فأهل المدينة قد قال أحمد انهم للآثار يتبعون وان من اجتهد بالاثر فالحق واحد والآخذ بالخبر الآخر معذور فأما أهل الرأى فلا خلاف عن أبى عبدالله أن أخذهم بالرأى مع الخبر مقطوع على خطئه فهو الذى يرد عليه ويبين عن خطئه

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان أحمد يكره أن يرد  على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي ويقول  : إنهم اتبعوا الآثار"

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "«وأما الحديث؛ فأكثره تجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما ترك طائفة من أصحابه.. ويقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى قول أهل العراق، وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة، ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره، ثم انتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها، وقد تكون مرجوحة في المذهب، وعمل أهل المدينة والسنة»

ثم قال المخالف: "وأبو حنيفة مسبوق ببعض الفقهاء الذين قالوا بقوله، ويصدق ذلك قول الدارمي ردا  على الجهمي: “لأن أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء، ولم  يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع وأهل الأهواء"

أما الإمام الدارمي فلم يقل إن أبا حنيفة وافقه على كل ما يقوله بعض الفقهاء بل قال "على بعض فتياه"

ومخالفة أبي حنيفة في بعض المسائل لجميع العالمين معروف لمن له أدنى الاطلاع على مسائل مشهورة بين أهل الحديث وأهل الرأي في الفروع 

قال ابن المنذر: "قال أبو حنيفة: تجزئه القراءة (في الصلاة) بالفارسية وإن  أحسن العربية، لأن المقصود إصابة المعنى.  

قال ابن المنذر: لا يجزئه ذلك، لأنه خلاف ما  أمر الله به، وخلاف ما علم النبي  وخلاف جماعات المسلمين. ولا نعلم  أحدا وافقه على ما قال

وهذا كمثال وإلا فهي كثيرة وهذا المبطل إن كان عنده شيء من العلم يعرف ذلك وإن كان لا يعرف ثم يكتب عن أهل الرأي فهي مصيبة!

ثم قال المخالف: "من الأمور التي ينقلونها في ذم أبي حنيفة  -وعند التأمل تجد أنه لا ذم فيها بل هي مدح- ما أخرجه الخطيب البغدادي في  تاريخه عن سفيان بن عيينة قال: “ما رأيت أحدا أجرأ على الله من أبي  حنيفة. ولقد أتاه يوما رجل من أهل خراسان فقال: يا أبا حنيفة، قد أتيتك  بمائة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها. فهل سمعتم أحدا أجرأ من  هذا؟!” 

ويجاب عن هذا بأن القدرة على حل المسائل والجواب عنها من مثل أبي حنيفة هو دلالة على العلم وسعته، يقول ابن القيم:  “الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل  علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه  ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا"

قلت: وهذا يتبين به عور كلام هذا الجاهل فإن أبا حنيفة تتبع الناس عدد الأحاديث التي عنده فقضوا عليه أنه كان جاهلا بالسنة كما قاله الشافعي وأن عدد الحديث عنده لا يفوق 100 أحاديث 

وقد تتبع الباحث المعاصر ذئب شاكر فياض مرويات أبي حنيفة في جميع مصادر الأحناف وأهل الحديث فوجد له 72 حديثا!! 

فهو كما قال الشافعي في مناظرته المشهورة مع الشيباني بعد أن قرر أن أبا حنيفة كان جاهلا بالقرآن والسنة والآثار: "فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه  الأشياء، فمن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس؟"

قال عبد الله بن أحمد: "حدثني أبي قال حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع عن بن عيينة قال قلت لسفيان الثوري لعله يحملك على أن تفتي إنك ترى من ليس بأهل للفتوى يفتى فتفتي قال أبي يعني أبا حنيفة

قال علي بن سعيد النسوي ، قال : سمعت أحمد بن حنبل : «يقول لهؤلاء ، أصحاب أبي حنيفة : ليس لهم بصر بشيء من الحديث ، ما هو إلا الجرأة»

فهل من يفتي في آلاف المسائل وعنده 72 حديثا حفظها غلطا لا يستحق أن يوصف بغاية الجرأة وقلة الورع؟

قال المخالف: "المثال الثالث: قضية السيف والخروج على ولاة الجور.. والأوزاعي تكلم بما يعلمه من مذهبه القديم، إذ كان أبو حنيفة في  أول أمره -وفي شبابه- يرى جواز الخروج على الحاكم الجائر، وقد ناصر ثورة  زيد بن علي ، لكن تراجع عن ذلك كما في كتابه “الفقه الأكبر"

قلت: وهل هذا الهراء يستحق أن يعلق عليه؟ 

فكتاب الفقه الأكبر لا يصح عن أبي حنيفة بحال فجميع أسانيد هذا الكتاب مشحونة بالكذابين وفيه أمور ومسائل لم تعرف في عصره وقد تكلم عليه ببسط صاحب رسالة "براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة"

وإذا صححنا هذا الكتاب فهذا يستلزم تجهيم أبي حنيفة إذ فيه تعريف الإيمان بالتصديق بالقلب والتجهمات في مسائل الصفات

والعجيب أن أمثال هؤلاء إذا ألزمهم الأحناف بما في الفقه الأكبر من الضلالات يقولون: "الكتاب لا يصح عنه!"

لكن المخالفون يقولون وينقلون أي كلام من غير ميزان علمي واضح

ثم قال المخالف: "عقيدة أبي حنيفة تؤخذ من كتبه وكتب أصحابه، لا من قصص التاريخ" واحتج بحرمة الخروج على الحكام في العقيدة الطحاوية

قلت: ومن كبار أصحابه الجصاص الذي ناصر هذا المذهب بقوة 

قال السمناني الحنفي: "وجب على أهل الدين وعلى المسلمين خلعه ومنعه والاستبدال به"

قال ابن عابدين: "ومثله ما ذكره عن الدرر وجهه: أنه إذا لم يكن كذلك يكون عاجزا أو جائرا ظالما يجوز الخروج عليه وعزله إن لم يلزم منه فتنة كما علمته آنفا"

وفي كثير من كتب الأحناف مثل مجمع الأنهار وغيره: "لا عن أمير ظلم بهم فلو خرجوا عليه لظلم ظلمهم فليسوا ببغاة"

فالمسحة الخارجية بقيت فيهم فلا عبرة بتسنن بعضهم في هذه المسألة فليس هذا دليلا على صحة مسلكه هو وأهل الحديث شهود عدول قد شهدوا عليه بهذه الضلالة

ثم قال المخالف: "هل يخطئ أهل الحديث في الحكم على شخص أو يختارون ما هو خلاف الأولى؟  والجواب: نعم قد يخطئ جمهور أهل الحديث في جزئيات المسائل.. ومسألة اللفظ بالقرآن وتبديع البخاري أظهر من ذلك في بيان أن أهل الحديث قد  يخطئون، والصواب الكامل كان مع البخاري ، لا مع جمهور المحدثين"

قلت: هذا من جهلك وتحمامقك فإن جمهور أهل الحديث لم يهجر البخاري بل ما زال موقرا مذكورا بخير عند جمهور أهل الحديث وهذا يعرف بالتتبع وقد ألف بعض إخواننا في الهند جزئا في ذلك وجمع أسماء العلماء في طبقة البخاري ومشايخه وتلاميذه الذن لم يهجروه بل وقروه ورووا عنه 

وتسويته بين مذهب داود ومذهب البخاري غلط فإن داود له قول آخر فيه دواخل كلامية والتفريق بين القرآن العربي والقرآن الموجود في ذات الله 

قال ابن عبد البر عم مذهب داود في القرآن العربي: "«وليس هو القرآن الذي تكلم الله به» ونسب له القول بالحكاية أيضا وسوى بينه وبين ابن كلاب

والمعروف عن أحمد أنه جهم داود وسماه عدوا لله والبخاري لم ينطق بمثل هذه الأشياء أبدا 

ثم البخاري لم يقل ما هو باطل في نفس الأمر بخلاف أبي حنيفة الذي قال بالإراء والسيف والحيل ورد الأحاديث فكان كلام أهل الحديث فيه بحق وحجة وعدل وضبط بخلاف كلام بعض من لم يفهم قول البخاري

أما زعم المخالف أن أبا حنيفة كان يزيد شروطا زائدة لصحة الحديث لكثرة الأخبار الباطلة فهذا ليس بشيء وجهل بأبي حنيفة وظروفه المحيطة التي يدعي المخالف معرفتها 

فأبو حنيفة كان بالكوفة وكان بالكوفة في عصره أعمدة الرواية مثل سفيان الثوري وأبي إسحاق السبيعي والأعمش وعبد الله بن إدريس وأمثالهم ولم يحدث منهم أحد رد الأحاديث ولم يعير بذلك بل جمعوا أخبارا كثيرة صحيحة بخلاف أبي حنيفة الذي عنده 72 حديث أكثرها خطأ! 

وهذه الشروط التي يدعي صاحب المقال مشروعيتها ما الفرق بينها وبين "شروط" أهل الحداثة مثلا بأن الحديث لا ينبغي أن يخالف حقوق الإنسان ومواثق الأمم المتحدة أو لا يضغط على المرأة أو لا يخالف النظريات العلمية الحديثة؟! 

أو ما الفرق بين ذلك وبين شروط الجهمية ألا تكون آحاد ولا تخالف عقل اليونان؟ 

فليس لكل أحد عنده جرأة أن يحدث شروطا لقبول الأخبار وردها بل إن هذه الشروط التي أحدثها أبو حنيفة وصفها الأئمة بأنها توافق مذاهب الخوارج والزنادقة 

فقد احتج الأحناف في أصول الفقه بحديث "«ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله»

وقد نص الأئمة أن هذا الحديث وضعه الزنادقة والخوارج كما قاله عبد الرحمن بن مهدي 

وهل لردهم أخبار أبي هريرة عذر معتبر؟!

ثم أبو حنيفة قد يتبع أوهى الأحاديث إذا واقفت رأيه لذا قال الشافعي: والذي  يزعم أن عليه الوضوء يزعم أن القياس أن لا  ينتقض. ولكنه زعم يتبع الآثار فلو كان يتبع  منها الصحيح المعروف. كان بذلك عندنا حميدا،  ولكنه يرد منها الصحيح الموصول المعروف.  ويقبل الضعيف المنقطع

ثم قال المخالف: فمراعاة تفاوت الأزمنة من الأهمية بمكان، فإذا لم يأخذ أبو حنيفة ببعض الأحاديث، فلقد أنكر ابن مسعود المعوذتين وحكهما من المصحف وقيل: أنه رجع لكن كان عذره أنه كان في زمن لم يستقر فيه جمع القرآن بعد، وكذلك -وسواء بسواء- عدم أخذ أبي حنيفة ببعض الأحاديث الصحيحة، فذلك بسبب أن علم الحديث لم يكن قد استقر بعد في زمنه

والجواب أن يقال: 

أولا: لم يثبت عن ابن مسعود ما تدعيه فقد قال إمامكم الباقلاني: "عبد الله بن مسعود لم يقل قط إنهما ليستا بقرآن، ولا حفظ عليه في ذلك حرف واحد، وإنما حكهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات.. دعوى من ادعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكون المعوذتان قرآنا منزلا من عند الله تعالى وجحد ذلك فإنها دعوى تدل على
جهل من ظن صحتها وغباوته وشدة بعده عن التحصيل، وعلى بهت من عرف حال المعوذتين وحال عبد الله وسائر الصحابة، لأن كل عاقل سليم الحسن يعلم أن عبد الله لم يجحد المعوذتين ولا أنكرهما، ولا دفع أن يكون النبي تلاهما على الأمة، وخبر أنهما منزلتان من عند الله
تعالى، وأئه أمر بأن يقولهما على ما قيل له في أولهما"

ثانيا: كلام المخالف يقتضي أن من ينكر اليوم أنهما من القرآن فقد صح كفره 

قلت: فما بال الأحناف الذين يصرون على رد الأحاديث بعد استقراره جمعها وتنقيهها وجعلتموهم مذهبا معتبرا يجوز اتباعه!

ثالثا: هذه العلل التي تذكرونها ينبغي أن تكون موجودة في أقرانه من أهل الكوفة فأين هي؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: سفيان الثوري أعلم هذه الطبقة في الحديث مع تقدمه في الفقه والزهد والذين أنكروا من أهل العراق وغيرهم ما أنكروا من الرأي المحدث بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري بل سفيان عندهم أمام العراق"

ثم قال المخالف: ثم كيف يظن هذا بأبي حنيفة وهو أول من قال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، و(لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه

قلت: هذا المخالف يعيش في العالم الموازي ويتكلم عن أبي حنيفة المتخيل 

ومثله إذا ألزم بالاستدلال وسئل أين قاله أبو حنيفة غالبا راح يسبك ويشخصن الأمور وينسبك إلى البدع! 

لكن أقول لك: أين قال أبو حنيفة إذا صح الحديث فهو مذهبي؟! من رواه ومن الرجال ف"لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"!

أما قاعدته الخامسة فقد سبق الرد عليها فلا حاجة لنا إلى تكراره

ثم قال: "القاعدة السادسة: مراعاة وجود ما هو كذب على أبي حنيفة. أهل البدع كالمعتزلة انتسبوا إلى أبي حنيفة، ونقلوا عنه أكاذيب في خلق  القرآن، ونقلوها لأهل الحديث أيام المحنة، مثل أن أبا حنيفة استتيب من  الكفر مرتين، واستتيب بسبب خلق القرآن ونحو ذلك"

والجواب أن يقال: 

أولا: قال المعلمي وغيره من أهل العلم إن قصة استتابة أبي حنيفة ليست فقط صحيح بل متواترة وهي حقا كذلك

ثانيا: ما الفائدة للمعتزلة أن ينسبوا إلى أبي حنيفة الاستتابة من الكفر! وهم يعظمونه ويجلونه وينتسبون إليه وجهم بن صفوان أصلا تلميذه وكثير كبار المعتزلة في زمن أحمد وقبله كانوا أحنافا تلاميذ أبي حنيفة و الشيباني وأبي يوسف!! هل أنت كاتب هذه الأسطر بعقلك الصاحي؟

ثالثا: هذه قيمة أهل الحديث في قلبه أن يدس إليهم الزنادقة أشياء تخالف صريح الواقع فهم يتناقلونها ويؤمنون بها مثل ما قاله الرازي في أحاديث الصفات أن البخاري ومسلما كانوا صالحين استغفلهم الزنادقة ودسوا عليهم ما يناقض التوحيد! 

أما مسألة خلق القرآن قد كان أبو حنيفة أول من أظهرها كما قال العسكري في كتاب الأوائل وناظره حتى أبو يوسف تلميذه فما العجب أن يستتيبه حاكم أو وال بهذه المقالة الشنيعة؟!

أما قول المخالف: "روى النخعي عن أبي بكر المروزي أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: “لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق"

فهذا من التدليس بمكان إذ يأخذ برواية لا مكان لها في كتب الحنابلة وأبناء وتلاميذ الإمام أحمد بل فيها ما يخالف ذلك ويأخذ برواية النخعي الحنفي المتعصب المتأخر الذي كان يطعن في أهل الحديث ويروي المناكير عن المشاهير فما هذا إلا الهوى؟!

قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب العلل: "قال أبي استتابوه أظن في هذه الآية سبحان ربك رب العزة عما يصفون قال هو مخلوق"

قال الشافعي: كان محمد ( يعني بن الحسن الشيباني ) جهميا يقول : القرآن مخلوق 

فهل ما يقوله صاحب المقال إلا تكذيب أهل الحديث في شهادتهم وروايتهم ونقض ما اتفقوا عليه من تاريخية هذه الواقعة؟

والعجيب أنه نقل عن أبي يوسف بعده: "وعن أبي يوسف قال: “ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر، حتى قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر”"

قلت: فالمناظرة تقتضي المعارضة فقد أقر هو بنفسه أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن ويناظر تلميذه أبا يوسف عليه فأين خرافاتك وأباطيلك عن دس المعتزلة على أهل الحديث؟

ثم نقل عن ابن تيمية: "وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وقد نقلوا عنه -أي عن أبي حنيفة- أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعا"

قلت: وهذا صحيح لكنه حذف تمثيل ابن تيمية وهو قد مثل بالنقل بإباحة الخنزير البري 

والعدل أن يقال: نعم ثمة بعض الأشياء يستبعد وقوعها عن أي مسلم صحيح إسلام مثل قصة النعل وقصة الخنزير وما أشبه ذلك لكن هذا لا يطرد في أشياء مشهورة نقلت عن أبي حنيفة وأصحابه نقلا صحيحا مثل الإرجاء والحيل ورد الأحاديث والقول بالسيف والطعن في أبي هريرة

ثم زعم المخالف أن الاختلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء لفظي وصوري وهذه المسألة قد تم بحثها كثيرا فلا حاجة إلى تكرار ذلك فإنه خلاف حقيقي مخرج من السنة وإن كان الإرجاء فعلا من البدع غير الغلظة 

ثم زعم المخالف استقرار العمل على احترام أبي حنيفة 

قلت: شيخ الإسلام ابن تيمية سود عشرات الصفحات في جامع الفصول في الرد على السبكي وهو يناقض دعوى استقرار عمل على شيء أو قول بعد عصر السلف فليراجع 

فلم يستقر هناك شيء فمن تتبع الأمر يعرف أن الإنكار  على أبي حنيفة محفوظ إلى عصر ابن تيمية 

ثم الاحناف كان لهم سلطان يظلمون من يرد عليهم وقد وقعت بهذا وقائع كثيرة وقد قال أبو يعلى: : «ولا يجوز أن يكونوا في تقية وفزع  : لأنه إذا كان الأمر على هذا، فانه لا يحكم بانعقاد الإجماع، وإنما يحكم بذلك إذا سكتوا عمن لا يخالفونه ولا يتقونه»

وإذا قالو جماهير السلف قولا وهو حق فلا يجوز تركه بمثل هذه الدعاوى


 أما قول المخالف بأن حجاب المعاصرة منع السلف من العدل في حقه فهذا عجيب فالشافعي ولد سنة موت أبي حنيفة 

 والبخاري في طبقة أحفاد الشافعي

 وأبو حامد الإسفارئيني في طبقة أحافد أحفاد البخاري فعن أي معاصرة تتكلم!
والله أعلم



هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2014 © مدونة أبي موسى الروسي